حيدر حب الله

201

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

يروي الصحيح والسقيم ، وأمره ملتبس ، ويخرّج شاهداً » « 1 » ، خاصّة وأنّ بعض أنصار التفسير الثالث هنا اعتبروا - كما تقدّم - أنّ تعبير ( أمره ملتبس ) ليس بياناً لجهالة الراوي ، بل هو نوع بيان لوجود معطيات متعارضة في حقّه ، فتكون المعرفة والنكرة المتعلّقة به هي عبارة عن هذه المعطيات المتعارضة ، أي مأنوس به عند بعضٍ مستنكر مرفوض عند آخرين ، أو هو - بما هو راوٍ - مأنوس تارةً ومستنكر أخرى . ب - أو كون الحديث والرجل غير معروفين عند بعضهم ، لإطلاق النكرة في مقابل المعرفة بهذا المعنى في اللغة ، كما في قوله تعالى : ( وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) ( يوسف : 58 ) . أمّا عدم معروفية الرجل فواضح ، وأمّا عدم معروفيّة بعض أحاديثه ، فهذا معناه أنّه يتفرّد بأحاديث لا تُعرف بل هي غريبة ولا تصل إلا من خلاله ، فيكون المراد : إنّه رجل يعرفه بعض الرجاليّين ولا يعرفه آخرون ، أو إنّ رواياته بعضها معروف ورد من طرق أخرى ، وبعضها لا يُعرف عنه شيء فلم يروَ إلا من طريقه ولم يسمع إلا من قبله . وبهذا نوحّد المعنى في التركيبين معاً ، بلا حاجة إلى فرضيّة التمييز التي قال بها بعض أنصار التفسير الثالث هنا . ويبقى تعبير النجاشي في ( صالح الرواية ويعرف منها وينكر ) ، فلسنا بحاجة هنا إلى فرض التهافت ، ولا إلى فرض حصول تصحيف بمجرّد الاحتمالات ، بل يكون هذا التعبير من النجاشي لصالح ما قلناه ، بحيث نرجّحه ونختاره ، ونقول : إنّ المراد من ( ينكر ) مطلقاً هنا - سواء تعلّق بالحديث أو بالرجل - هو مقابل المعروفيّة ، فالراوي صالح الرواية وليس في روايته مؤاخذة من حيث مضمونها أو تركيبها ، لكنّ مرويّاته على نوعين : بعضها معروف ورواه آخرون من طرق أخرى ، وبعضها غير معروف بحيث تفرّد هو بذلك ، وقد يكون تفرّده مجامعاً لمعارضة خبره لخبر الثقات في القضيّة نفسها .

--> ( 1 ) رجال ابن الغضائري : 50 .